كيف تسبب «عبدالناصر»في قتل «محمد فوزي» رغم مساندته للثورة؟

لماذا قتل «عبدالناصر» «محمد فوزي» بالتأميم رغم مساندته للثورة؟

قبل وفاته بيوم واحد ودع الفنان الراحل «محمد فوزي» محبيه في 19 من أكتوبر/تشرين الأول 1966 برسالة مؤثرة شرح فيها أبعاد مرضه النادر، وشعوره بدنو الأجل موصيا بدفن جثمانه في اليوم التالي (الجمعة) من ميدان التحرير (مسجد عمر مكرم) لأنه يحب أن يدفن في هذا اليوم.

وكان «فوزي» تعرض لنكسة صحية ونفسية شديدة جعلته يصاب بمرض شديد لم يعرف أطباء عصره له سببا، وبدأ انتشار المرض منذ يوم حزين في حياته (خلال عام 1961) بعد إعلان الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» عن قرارات التأميم، وبعده ذهب الراحل كالعادة لمقر عمله كمالك لشركة «مصرفون الوطنية لإنتاج الإسطوانات»، وكان الراحل أسسها من جهده وماله الخاص.

قصة النهاية

وجد الراحل «فوزي» كردونا أو جمعا محيطا بالشركة من الشرطة فأسرع إلى مكتبه، وهناك كانت المفآجأة إذ كان هناك ضابط ينتظره، وهو جالس على الكرسي واضعا قدميه بأعلى المكتب، تماما في وجه «فوزي» صاحب المكتب بل الشركة كلها، وكان الضابط يعبث في أدراج مكتب الراحل لحظة دخوله.

ووسط دهشة «فوزي» الشديدة انتبه الضابط إلى وجوده فقال له في عجرفة أن الثورة أممت الشركة والاستديو التابع لها، وأنه الضابط المكلف بإدراتهما من الآن .. ثم نادى الساعي وأمره أن يذهب بـ«الأستاذ» إلى مكتبه الجديد، أو غرفة الساعي نفسه إلى جوار دورة المياه، ولم ينس الضابط أن يخبر «فوزي» أنه تم تعيينه براتب مقطوع قدره مئة جنيه في شركته التي كانت تدر عليه قرابة ألف جنيه شهريا.

نصيحة وقصة «وطني أحببتك»

أما المقربون الذين راح الراحل يشتكي إليهم فنصحوه بأن يفعل مثلما فعل الآخرون بخاصة «محمدعبد الوهاب» و«عبدالحليم حافظ» إذ يمتلكان شركة «صوت الحب» ولم يتعرض لهما أحد، إلا أنه لم يفعل رغم أن «فوزي» غنى من قبل للأطفال قصيدة «كان وإن» معرفا بقصة يوليو/تموز والثورة للأطفال، وهي الأغنية التي أشاد فيها بتأميم القناة، كما أنه غنى للعدالة الاجتماعية من كلمات «بيرم التونسي» مثنيا على رفع مستوى الفلاحين و العمال.

ورغم أن الفنان الراحل شارك في «قطار الرحمة» الذي كان الغرض منه جمع التبرعات من المواطنين في المحافظات المختلفة لدعم الجيش، بل إنه كان من أوائل الذين استجابوا لنداء «عبدالناصر» بتقوية الاقتصاد الوطني للاستغناء عن التحكم الأجنبي فيه، وفي ظل عمله الفني والمنظومة المحيطة به رأى الراحل أن ينتج شركة خاصة بالإسطوانات في عام 1958 للقضاء على سفر المطربين للتسجيل في اليونان؛ وإيجاد الاسطونات بسعر يقل بقرابة النصف عن الأجنبي، وهو ما أشاد به الراحل «عزيز صدقي»، وزير الصناعة آنذاك؛ وهو ما شجع «أم كلثوم» على تسجيل إسطوانتها لديه، وكذلك «عبدالوهاب» و«عبدالحليم» على إنشاء «صوت الحب» عام 1960.

ورغم هذا التاريخ في مناصرة الثورة إلا أن «عبدالناصر» رضي عن مصادرة شركة «مصرفون»، ولم يوافق «فوزي»، في المقابل، على الغناء للرئيس خروجا من الإشكالية ولا حتى العمل في شركته.. بل غادر كل ذلك ليقبع مع مرضه في بيته، ليغني القصيدة الرائعة لـ«مرسي جميل عزيز»، وهي واحدة من أندر أغانيه الفصيحة:

«وطني أحببتك يا وطني .. حبا في الله وللأبد»

لم يشر فيها إلى «عبدالناصر» لا من قريب ولا من بعيد .. ليستمر الوضع كما هو عليه من مصادرة شركته ..وبالتالي انتشار المرض أكثر في جسده، والذي لم يفلح معه لا علاج داخل مصر ولا خارجها.

مواضيع متشابها
1 من 20

ضد (إسرائيل) ومع الأطفال

بعيدا عن مظاهر المدنية والتحضر وفي قلب الريف المصري ولد «محمد» للشيخ «فوزي عبدالعال الحو»، وكان الأخير متزوجا من 3 نساء، وأنجب منهن 24 طفلا، ليجيء الراحل حاملا رقم 21 بين إخوته.

كان ميلاد المطرب الراحل في 15 من أغسطس/أب 1918 في مديرية الغربية، وكان والده قارئا للقرآن الكريم، ومن الطريف أن الفنان الراحل تعلم الغناء للمرة الأولى على يد جندي في المطافئ.. قبل أن ينتقل إلى القاهرة ليعرف الفقر والتشرد في بداة حياته الفنية.

قدم «فوزي» للسينما 36 فيلما منها 34 بين عامي 1944 و1956، ولكن بعد الانتخاب الرسمي لـ«عبدالناصر» كرئيس للجمهورية عام 1956 لم يقدم الراحل سوى فيلمين فقط حتى وفاته.

وكان من أشهر أفلامه «فاطمة وماريكا وراشيل» الذي اتهم إثر تقديمه له بمعاداته للسامية من قبل اليهود رغم أن قصة الفيلم كانت عالمية تم تمصيرها.

حاول «فوزي» تطوير الموسيقى الشرقية إلا أن أبرز جهوده كان مع أغاني الطفل التي برع فيها مقدما علامات خالدة من مثل «ماما زمانها جاية»، «ذهب الليل»، «هاتوا الفوانيس يا أولاد».

تكريم متأخر

أمر الرئيس الجزائري «عبدالعزيز بوتفليقة» بإطلاق اسم «فوزي» على المعهد العالي للموسيقى في الجزائر، بالإضافة إلى منحه وسام «الاستحقاق الوطني» لما بعد الوفاة.

جاء التكريم في الذكرى الـ60 لتلحين الراحل النشيد الوطني الجزائري «قسما» والذي لحنه الراحل في عام 1956 متبرعا به.

التعليقات مغلقة.