الأطفال بلا مأوى : الخصائص وكيفية التعامل معهم

الأطفال بلا مأوى : الخصائص وكيفية التعامل معهم

تعتبر ظاهرة أطفال الشوارع واحدة من أهم الظواهر الاجتماعية اللافتة للنظر فى العقديين الأخيرين خاصة فى المدن الكبيرة والمتوسطة فى ظل استمرار التدهور فى الوضع الاقتصادى، حيث إن تطبيق برامج التكيف الهيكلى فى الفترة الاخيرة قد دعم إنتشار ظواهر إجتماعية سلبية كثيرة وبالتالى يأتى الربط بين نمو وإنتشار هذه الظاهرة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
نحن امام ظاهرة معقدة ومركبة تبرز لنا أقصى درجات التهميش الاجتماعى لفئة تجتاز مرحلة حاسمة فى تكوين معالم شخصيتها تركت لمواجهة مصير مجهول وكأنها مسئولة عن أوضاعها وعن تفكك الأسر التى أتوا منها فحوالى 60% من اسر أطفال الشوارع تعانى من التفكك حيث تقترن الأسباب الرئيسية للظاهرة بتفكك الأسرة إما عن طريق موت أحد الأبوين أو كليهما أو الهجر والطلاق ،
وكذلك تأتى ظاهرة الهدر فى مراحل التعليم الأولى كأحد الأسباب التى أتت بهذه الظاهرة وقصور المتابعة لها حيث إن أكثر من 50% من أطفال الشوارع حرموا من التعليم نتاج التسرب حيث إنقطعوا عن الدراسة فى السنوات الاولى من التعليم الاساسى ولم يحصلوا على الشهادة الابتدائية ليتمكنوا حتى من دخول التأهيل المهنى ، هذا بالإضافة إلى حالة السكن غير اللائق أو غير الملائم لنمو الطفل نموا طبيعيا من كافة الجوانب ( كما نصت عليه المواثيق الدولية ) حيث إن حوالى 60% من أطفال الشوارع كانوا يسكنون فى سكن غير لائق لا تتوافر فيه الشروط المناسبة والملائمة لنموهم الطبيعى واكثرهم ما يتقاسم السكن مع أسر أخرى ، فيغيب الفضاء اللازم للطفل مما يجعل الشارع المجال البديل.
كما أن هناك آثاراً سلبية فى منتهى الخطورة نجمت عن هذه الظاهرة أهمها التعاطى المبكر للتدخين والمخدرات غير المصنفة (كالكلا – السليسيون…ألخ) بما يصل لحالة إدمان ،وهو السبب الرئيسى الذى دفع بمنظمة الصحة العالمية للإهتمام بهذه الظاهرة.
وبالرغم من نمو هذه الظاهرة وإنتشارها فى معظم البلاد حيث لا تخلو منها الميادين والأنفاق والشوارع فى معظم المدن تقريبا ، إلا إنه مازال هناك ضعف ومحدودية للمؤسسات المهتمة بهذه الفئة من الاطفال ( جمعيات ومراكز ومؤسسات حكومية وغير حكومية ) ومازال هناك غياب لتعريف موحد حول أطفال الشوارع فحين ترى منظمة اليونيسيف تصنيف أطفال الشوارع إلى قسمين: “الأطفال العاملين فى الشارع طوال النهار ثم يعودون إلى أسرهم ليلا لينامون ، والاطفال الذين تنقطع علاقتهم مع أسرهم وليس لهم أسر أساسا ” نجد أن تعريف منظمة الصحة العالمية .

قد صنف أطفال الشوارع إلى أربعة أقسام :

أولاً:

الأطفال الذين يعيشون فى الشارع ولا يشغلهم سوى البقاء والمأوى .

ثانياً:

المنفصلون عن أسرهم بصرف النظر عن مكان إقامتهم سواء فى الشارع أو الميادين أو الأماكن المهجورة أو دور الأصدقاء أو الفنادق أو دور الإيواء .

ثالثاً:

الأطفال الذين تربطهم علاقة بأسرهم ولكن تضطرهم بعض الظروف ( ضيق المكان ، الفقر . العنف النفسى أو المادى الذى يمارس عليهم ) إلى قضاء ليال أو معظم الأيام فى الشارع .

رابعاً:

الأطفال فى الملاجئ المعرضون لخطر أن يصبحوا بلا مأوى”
ويمكننا بالمنطق نفسه، إضافة خدم المنازل لهذه التعريفات.

ونظرا لما سبق نجد أنه فى البداية يجب العمل على إيجاد تعريف موحد لأطفال الشوارع إستنادا إلى المحددات الأساسية لهذه الظاهرة وهى :

أولاً: مكان الإقامة هو الشارع –

ثانياً: اعتماد الطفل على الشارع كمصدر للدخل والبقاء –

ثالثاً: عدم وجود مصدر للحماية أو الرعاية أو الرقابة سواء من أفراد أو مؤسسات

مواضيع متشابها
1 من 4

على أن يتم هذا بالشراكة مع جميع الجهات المعنية بهذه الظاهرة وكذلك تكوين شبكات بين هذه الجمعيات والمراكز للعمل على دراسة هذه الظاهرة من كافة الجوانب وتحليلها والوقوف على حجمها وأسبابها الحقيقية والآثار السلبية الناجمة عنها وأنسب الطرق للتغلب عليها.

أساليبب التعامل مع مجموعات الأطفال بلا مأوى :

لازالت النظرة السلطوية والمتعجرفة فى التعامل مع الشرائح الضعيفة والفقيرة فى المجتمع هى الحاكمة والسائدة لدى جهات الدولة خاصة الأمنية مع أمية كاملة بحقوق الإنسان عامة والأطفال على وجه التحديد خصوصا من لا سند لهم ولا يمتون لكبار المسئولين بصلة القرابة أو النسب أو المصالح المشتركة والمتبادلة . ولذلك نجد أن الأسلوب البوليسى بشكله السابق هو السائد فى التعامل مع الأطفال بلا مأوى بكل ما يتضمنه من محاذير وأخطار على المجتمع تنعكس على أوضاعه الاجتماعية والأمنية فى المستقبل المنظور . وثمة استثناء نراه فى المؤسسات الأهلية خاصة المتصلة بحقوق الطفل تحاول أن تصلح ما يفسده الرسميون .
أولا :الأسلوب البوليسى الشائع فى التعامل مع أطفال الشوارع :
رغم أن القانون حدد وسائل حماية هؤلاء الأطفال إلا أن دراسة أوضاعهم تظهر تعنت رجال الشرطه فى مواجهتهم وغياب دور المؤسسات الحكومية فى توفير الحماية لهم حيث مازال يتعرضون لكافة أشكال الانتهاك:
• الاحتجاز داخل أقسام الشرطة لفترات طويله قبل عرضهم على النيابة المختصة .
• الاحتجاز داخل أقسام الشرطه فى الاماكن المخصصه للبالغين مما يعرضهم للأعتداءت من قبل البالغين متعددى الإجرام إلى التحرش الجنسى” يصل إلى الاعتداء الجنسى والضرب،استخدامهم فى أعمال النظافه فى أقسام الشرطة * معظم أماكن الاحتجاز لا يتوفر فيها أدنى مستويات الرعايه الصحيه فضلا عن عدم توفير الغذاء طول مده الاحتجار
• غياب العدد الكافى من مؤسسات الرعايه المجتمعية والتى تلعب دور فى تأهيلهم كبديل عن مؤسسات الأحداث .
• معظم الذين تم القبض عليهم وجهت لهم تهمة التشرد وغالباً تفرج عنهم النيابة المختصة ويعودون مره أخرى إلى الشارع كل هذا يوضح مدى تعرض هؤلاء الأطفال إلى عنف صريح من قبل رجال الشرطة وعدم توافر مؤسسات خاصة برعاية أطفال الشوارع المسئولة عن إعادة تأهيلهم وتصحيح مسارهم.

ثانيا : الأسلوب النفسى الاجتماعى العلمي :

ترتبط أية عملية تغيير إجتماعى وخاصة فى الحالات الصعبة،يرتبط هذا الإجراء بالحوار الهادف مع
الفئة المعنية بالتغيير.
يعنى هذا مساعدتهم،ودفعهم إلى الوصول لإتخاذ القرارات المتعلقة بمشاكلهم.
عنصر المشاركة مع اى إنسان،وإدراكه أن بإمكانه القيام بدور ما فى تغيير حياته وبيئته،يجعله أن يبادر ويتعاون فى تغيير اتجاهاته وسلوكه،والسعى لتحقيق أنماط حياتيه أكثر صحة وعطاء.
العمل مع النشء بلا مأوى،جزء من هذا المنهج،فتنظيم الجلسات الجماعية،تسهل وتشجع على الحوار والنقاش والتعبير الحر عن الرأى.
فى هذه الأجواء يجد النشء،ورغم الظروف الصعبة التى عاشها ويعيش فيها، فرصاً للتعبير عن أفكاره بلغته وأسلوبه الخاص، ويكتشف إمكانياته الطبيعية ومواهبة ونقاط قوته وضعفه.
وللوصول إلى التفاعل الجماعى،يتطلب العمل إستخدام أساليب مختلفة، مثل تمثيل الأدوار المسرحية أو عرض القصص المنسوبة إلى خبرات واقعية. هذا المنهج يساعد على تنشيط التفكير والمشاركة، وادراك ما هو إيجابى وما هو سلبى، والاستمالة إلى السلوك السلبى إلى أن نتمكن من التخلص منه.
يعمل المنشط مع هذه الفئة دون أن يصدر الأحكام المسبقة عليهم، وألا يسعى إلى الحل الوحيد لأية حالة أو أى مشكل من المشاكل. المنهج المفضل للعمل مع الحالات المشكلة، هو طرح الأسئلة، وتقديم الخيارات والبدائل، والتشديد على كل ما ينشط التفكير، والتجاوب المبدع بين العناصر المشاركة، وخلق الثقة، وعدم اللجوء إلى نظريات التخويف والتشديد فى الأحكام.
التطرق مع النشء بلا مأوى، والنقاش حول موضوعات ذات صلة بالمواد المخدرة والإدمان عليها، يحتاج المنشط إلى التعرف على معلومات أساسية عن هذه المواد، وإبداء النصح والإرشاد فى الجوانب الحساسة التى تظهر أثناء المناقشة مع المجموعة.
والنقاش الجماعى يصل إلى نتائج ناجحة، إذا حصل المشاركين على الفرصة لاكتشاف المشكلة، ودفع المشاركين لإتخاذ قراراتهم الشخصية لتجنب السعى نحو تعاطى هذه المواد، والوقوف على مخاطرها وأضرارها. ليس من المتوقع تحقيق نتائج فورية فى مجال تغيير السلوك ولكن التغيير فى اكتساب المهارات، والمعرفة والرغبات والقيم، قد يؤدى فى النهاية إلى التغيير المطلوب.

الدور العملى للمنشط:

• المنشط هو عنصر مؤثر فى إنجاح عمل المجموعة، ويرتبط عمله بتسهيل الأمور، وهو مسئول عن إتاحة الفرص للمشاركيين للتعبير عن مشاعرهم وقدراتهم بكل حرية.
يهيىء المنشط الجو والروح فى المجموعة لكى يكتشفوا سلوكيات بديلة، وآفاق جديدة للالتزام والتغيير والمشاركة الإجتماعية.
• يدفع التوجيه والإرشاد فى هذا المجال على تجديد وإحياء جوانب العملية التربوية.
• وللوصول الى نتائج إيجابية، على المنشط أن يهىء مناخاً ملائماً من الثقة والأمان، وأن يصبح هو نفسه قدوه ونموذجاً فى تمثيل هذه الأدوار.
• يستطيع المنشط بهذا الأسلوب الديناميكى، مساعدة المشاركين للشعور بالراحة، وأن يقدم لهم جوا من الطمأنينة والأمان، وفى مثل هذا المناخ المفعم بالثقة والحرية ، يسعى كل عضو فى المجموعة أن يشارك بكل حرية وتلقائية، وأن يعبرعما يعتقده بلا تردد أو خجل.
• عند التطرق لقضايا وموضوعات المواد المخدرة، من المفضل التركيز أولا على أساليب ووسائل الوقاية، خاصة إذا كانت المجموعة المستهدفة تضم بعض الذين لم يتعاطوا مثل تلك المواد من قبل. أما إذا كان القصد الأساسى هو الذين يتعاطون المخدرات يومياً أو من حين لآخر ، فإن الرسالة التى يؤكدها المنشط، يجب أن تركز على عدم التعاطى نهائياً.
• على المنشط أن يلم بالثقافة المحلية، وبالمشاكل والإحتياجات الخاصة بالمشتركين
من المهم أن يلم المنشط بديناميكية المجموعة المستهدفة ، وأن يؤكد حبه وتفهمه بالمهمة المنوطة إليه، وانه يحب عمله ويؤديه بدون تعال أو تفاخر، على المنشط أن يعيش دوره بكل صدق، وأن يتفاعل مع الحوار والنقاش بروح ديموقراطية، ويركز على المشاركة والتداول الحر للرأى، وعليه أن يقترح لا أن يسعى لفرض رأيه.
• لا يسيطر المنشط على الموقف، وعليه أن يعطى الفرصة لكل مشترك لكى يعبر عن نفسه، ويحث من لا يشارك فى الحديث لتبادل الرأى والمشاركة فى الحوار. والمنشط الكفء هو الذى يحفز ويشجع المشاركين على إكتشاف وإقتراح البدائل والحلول المناسبة للقضايا التى يتم عرضها على المجموعة.
ولتخفيف حدة التوتر والعصبية والإرهاق النفسى أثناء الجلسات، على المنشط أن يعرض لمداخلات هزلية عن اللزوم.
• ينبغى على المنشط قبل بدء العمل مع المجموعة، أن يتأكد من صلاحية الوسائل والمعدات التى يسعى لاستخدامها فى شرح وتوضيح القضايا التى سيناقشها، مثل أجهزة العرض السينمائى أو الشرائح المصورة، مسجلات الصوت، وغير ذلك من وسائل السمعيات والبصريات والمواد الأخرى.

بعض الجوانب التى يجب أت يتجنبها المنشط:

• هيمنة المجموعة، والفشل فى السيطرة على الموقف فى الإتجاه المخطط للنشاط.
الإفتقار فى المعرفة ومهارات التخطيط والخيال.
• الاستبداد بالرأى أو فرض ايديولوجية معنية، أو التعامل مع المشتركين بمكر أو التحامل على بعضهم أو تفضيل شخص على الآخرين.
• عدم القدرة على وضع القواعد الأساسية للعمل وتحاشى النتائج غير الواقعية أو المصطنعة. الإعداد السيىء للإجتماعات، وعدم الإلمام بموضوع البحث والمناقشة .
• الإكثار من التدخل فى الكلام على حساب فرص تعبير المشاركين عن نفسهم وإبداء آرائهم .
إصدار الأحكام وتصحيح كل رأى يطرح للمناقشة.
• تحاشى تهويل دوره، وإضفاء المجد عليه .
• ألا يفشل فى التعرف على مشاكل أعضاء المجموعة.
• تجنب التطرق للهموم والمشاكل الشخصية أو المهنية .
• ألا يوحى للمشتركين بتوقعات وهمية ( غير واقعية ) أو يعطيهم وعوداً وهمية .
تجنب فرض قواعد وأوامر محددة على المجموعة.
• ألا يوجه النقاش بحيث يصل إلى نتائج مرسومة ومقررة مسبقاً .
• تجنب الدروس المتشددة فى السلوكيات والأخلاقيات، بحيث يشعر المشتركون من جرائها بالإحباط والفشل والجرم ..
• عدم اللجوء إلى أساليب التخويف والفزع وتأنيب الضمير من خلال التعرض لموضوع المخدرات والإدمان عليها، لأن مثل هذا الأسلوب قد يؤدى إلى نتائج عكسية .
• تفادى التخيلات والتغيرات التى من شأنها أن تدفع المشترك إلى تجريب واستخدام المواد المخدرة .

التحرر من الأسرة :

(دراسة حالة طفل بإحدى المؤسسات )

أصبح نهار ثانى أيام العام الجديد، فى التقهقر، تكاد أن تختفى شمسه ، فالسماء ملبدة بالغيوم والسحب، وأخذ المطر فى الهطول، وزحفت على المدينة عاصفة برد، تصاحبها رياح شديدة، تحولت شوارع الإسكندرية إلى برك ومستنقعات من مياه الأمطار، وبالرغم من ذلك ، كان المارة يسيرون بخطى سريعة متجهين إلى أعمالهم.
وفى هذا اليوم الممطر استعد مركز رعاية وتأهيل طفل الشارع ، لبدء عمله اليومى واستقبال المشتركين فيه عندما أشارت عقارب الساعة إلى الثامنة صباحاً.
بدأ الأطفال يتوافدون على المركز، فى مجموعة تلو الأخرى ، وقد بدا على الأطفال الإرهاق ، وأنهم قد عاشوا ليلة عصيبة من جراء قسوة الطقس.
أخذ الأخصائى فى ممارسة عمله اليومى، بتسجيل الأسماء وتسليم الأطفال ملابس نظيفة، وتسليمهم أدوات النظافة الشخصية، لكى يستحموا وينطفوا أنفسهم، ويستبدلوا الملابس بأخرى نظيفة.
وأثناء الانغماس فى العمل، إذ بمجموعة من الأطفال تصطحب معها طفلا غريب المنظر ، إنه صديق جديد صغير القدمين غائر العينين ملامح وجهه يتغلب عليها التشويه والقذارة ، وصوته أكبر من عمره ويكاد أن ينطق بكلمات متقطعة وغير مرتبة .. سأله الأخصائى:
– ما أسمك؟
– صمت الطفل ولم يجب.
– كرر الأخصائى السؤال . فرد الطفل وهو يحبس أنفاسه وقال : أسمى(بهاء)
– من أين أنت يا سيد (بهاء)؟
– ويتردد الطفل فى الإجابة … أنا من طنطا
– يسايره الأخصائى، ويسأله: من أين أنت من طنطا ؟
– وبسرعة يجاوب الطفل : من منطقة فيشا سليم
يغضب الأخصائى وينهض ثائراً : أنت هنا جئت بمحض إرادتك ، ولست مجبراً أن تحضر ولك مطلق الحرية فإن أرت العودة إلى الشارع فلك ذلك إن أردت الاستمرار فى المركز .. فالأمر متروك لاختيارك . لكن اعلم أنك لو اخترت الاستمرار معنا بالمركز فيجب عليك الالتزام بالتعليمات ، وأول هذه التعليمات أن تكون صادقاً مع نفسك ثم مع الأخصائى الذى يتعامل معك … إذن ماذا تختار؟
يصر الطفل على كلامه ، ثم يصمت رويداً .. ومن ثم تنهال الدموع من عيناه .. يسرع الأخصائى ويعطى الطفل منديلا ليمسح دموعه.. وهمس فى أذنه قائلا:
إن دموعك لا تفيد في شىء .. ويبدو أنك تحتاج بعض الوقت، لتستقر على راى .. أذهب واجلس فى هذا المقعد، حتى أنتهى من تسجيل أسماء الزملاء الأخرين.
جلس الطفل …. هادئاً …… صامتاً ، ولكنه أخذ يتابع الأخصائى باهتمام ، وهو يتحدث مع
الأطفال الآخرين … وقد لاحظ المعاملة ، والعلاقة الطيبة التى تربط الأخصائى وسائر الأطفال .
وفى نفس الوقت استمع الطفل لنصائح وغمزات الأطفال فقالوا له:
– لا تخف وخليك صريح مع الأخصائى.
– سوف لا يجبرك للعودة إلى المنزل.
– فى المركز يا عبيط ، تحصل على الطعام والملبس ، وهناك لعب كثيرة ، وفيديو ومصروف أيضاً.
– وأثناء ذلك يلاحظ صاحبنا، الأطفال الذين استحموا وبدلوا ملابسهم، وهم فى منتهى السعادة.
تعجب صاحبنا وأخذ يسأل:
– أليس هم الأطفال الذين جاءوا معى منذ قليل من الشارع، يبدو أنهم ليسوا أطفال بلا مأوى.
ينهض صاحبنا.. ويندفع نحو الأخصائى…
ويقول له الأخصائى..
– يبدو أنك أتخذت قرارك…
– نعم
– ما هو قرارك؟
– لقد اخترت الاستمرار معكم بالمركز
– كل ما أوده … الصراحة والصدق.
– حاضر يا أستاذ.
– أجبنى بصراحة … ما اسمك ؟ ومن أين أنت ؟
– اسمى (سعيد) من قرية علوانى ، مركز منقباد، محافظة أسيوط.
سجل الأخصائى كل البيانات … وسلمه ملابس جديدة وطلب منه أن يستحم.
بعد فترة قصيرة .. يعود الطفل إلى مكتب الأخصائى ، وقد تغيرت ملامحه …. ارتدى ثياباً نظيفة … وظهرت ملامح وجهه المتأثرة بأشعة الشمس .. يبلغ صاحبنا من العمر ما بين الثالثة عشر والرابعة عشر عاماً … طلب الأخصائى الاجتماعى منه … أن يصفف شعره ، وعليه أن يذهب بعد ذلك إلى طبيب المركز.
أمام عيادة الطبيب وقف الطفل ينتظر دوره. رحب الطبيب بالطفل وبادره قائلا … أهلا … أهلا …. يا حبيبى ، ما اسمك؟ – هل أنت طفل جديد؟
– نعم.
فحص الطبيب الطفل ، وسجل كل البيانات فى الكراسة الطبية الخاصة به ، وحمل الطفل النتيجة إلى الأخصائى الإجتماعى … وقدم الطبيب أثناء فحص الطفل نصائح ومعلومات صحية شملت التغذية والتدخين …. ألخ.
قابل الأخصائى الطفل مرة ثانية ، ودعاه لتناول الإفطار…. وانتهى صباحه بمتابعة فصول محو الأمية.
بعد برنامج محو الأمية ، قابل الطفل الأخصائى الإجتماعى ، ودعاه لمواصلة برنامجه اليومى فى اللعب ، ومشاهدة فيلم.
انتهى البرنامج اليومى … وهرع الأخصائى إلى الأطفال المجتمعين فى القاعة ، وطلب منهم الانصراف وتغيير الملابس النظيفة ، بملابس الصباح، التى خضروا بها…… وزع المصروف عليهم وودعهم … وانطلقوا من جديد إلى المأوى الوحيد بالنسبة لهم …. وهو الشارع.
انصرف أيضاً الطفل ( الجديد ) إلى الشارع مع الآخرين ، وأخذ يمارس حياته بطريقة طبيعية يبيع المناديل الورقية ، ويمسح زجاج السيارات تاره أخرى ، وينام فى نهاية اليوم بأحد المساجد.
وبعد تردد أربعة مرات على المركز ، جلس الطفل مع الأخصائى الاجتماعى ، وعرض أن يحكى قصته:
سبب هروبى ، هو أن والدى حصل على حكم بثلاث سنوات سجن ، كذلك أمى كانت تقسو على ، وتضربنى ضرباً مبرحاً وتدفعنى أن أعمل لأحضر لها المال ، وجعلتنى أن أهمل دراستى الأزهرية ، بعد أن بلغت الصف السادس الإبتدائى فى المرحلة التعليمية ، وفى عمري للأسف لا أستطيع أن أعول أسرة من سبعة أفراد.
مرت الأيام ، وانتظم الطفل فى حضوره إلى المركز وقد تنوعت الأنشطة ، ما بين الأشغال اليدوية والموسيقى والرسم والرحلات هذا بالإضافة إلى الرياضة والترفيه والأنشطة العلمية.
أصبح الطفل مندمجاً فى حياه المركز ، وملتزماً خلقياً فى الداخل والخارج، وقد وصل رصيده ببنك الطفل بالمركز فى وقت قصير إلى حوالى مائة جنيهاً . تغيرت شخصية الطفل، وأصبح من الشخصيات القيادية.
وذات يوم وقعت حادثة له ، فقد كسر فيها ساقه الأيمن ، وتم إسعافه وتجبيس ساقه ، وكانت هذه الحادثة عبارة عن أزمة له فكان لابد من رفع ساقه إلى أعلى لمدة 3 أسابيع ، ولكن هذه الأزمة كانت من جهة أخرى دفعة لنمو وتغيير شخصية وسلوك ومن ثم قرر مع الأخصائى الإجتماعى ، العودة إلى المنزل بعد إتمام الشفاء.
أعد الأخصائى مكاناً لاستضافة الطفل لمدة 3 أسابيع ، وفجأه طلب الطفل أن يتحدث مع الإخصائى .
– والدى لم يسجن ، وهو يعمل مساعد شرطة بسجن عام قنا، بمصلحة السجون
وهو كثير التنقل من مكان لآخر ، وقد استقرت الأسرة أخيراً بالمنصورة .
يسأل الأخصائى الإجتماعى عن مقر الأسرة بالمنصورة فعرف أن الأسرة انتقلت الى مكان اخر وحضر الأب يبحث عن ابنه فى الإسكندرية ، وانتقل الأخصائى مع الطفل الى المنصورة … واحتار الجميع فى البحث عن الآخر.
بالصدفة ، وبحكم عمل الأب ، سأل عن ابنه فى الأقسام وتوجه الى مراكز إستضافة أطفال بلا مأوى … وعندما حضر الى المركز الذى يتردد عليه ابنه … وعلم انه سافر الى المنصورة للبحث عن الأسرة … ترك خطاباً به كل المعلومات والعنوان الحالى لمكان الأسرة الحالى.
دلت المعلومات أن الأسرة عادت الى أسيوط … دعا الأخصائى الإجتماعى الطفل الى منزله للتمكن من السفر مساء اليوم المقرر. استقبلت اسرة الأخصائى الطفل بكل ترحاب … وبعد تناول العشاء … راح الطفل فى نوم عميق …. واستيقظ فى الوقت المناسب لإستقلال القطار مع الأخصائى والسفر الى اسيوط.
وصل الإثنان الى اسيوط وتوجها الى المنزل العائلى حسب البيان الذى كان قد تركه الأب ، تقيم الأسرة أذن فى قرية علوانى، مركز منقباد محافظة أسيوط فرح الجميع بعودة الطفل ، ولتأكيد الفرحة أطلقوا الأعيرة النارية ، حسب عادات أهل الصعيد.
شعر الطفل أن الكل سعيد بعودته ، وان أسرته هى المكان الآمن لحياته.
اجتمع الأخصائى بالأب والأم والطفل معاً ، وشرح لهم الجوانب النفسية والإجتماعية والصحية والاقتصادية بالنسبة للإطار الذى عاش فيه الطفل ، واعطاء النصيحة لهم فى كيفية التعامل مع الطفل والمحافظة على عملية استقراره فى احضان الأسرة.
اتفق الجميع على ان يستمر الطفل فى دراسته … واستمرت العلاقة مع الطفل وأسرته بالتليفون والبريد ، ودعوة الطفل للمشاركة فى المعسكرات التى ينظمها المركز للأطفال أثناء الصيف.

 

%d مدونون معجبون بهذه: